سيد محمد طنطاوي

52

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

الذي قال : أنبئكم به ، فلا يكون بالكلام حينئذ حاجة إلى ضمير » « 1 » . وثاني هذه النعم عبر عنه - سبحانه - بقوله * ( خالِدِينَ فِيها ) * أي أن هؤلاء الذين اتقوا ربهم خالدون في تلك الجنات التي فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين خلودا أبديّا ، بخلاف أولئك المنعمين بنعم الدنيا فإن نعيمهم إلى فناء وزوال . وثالث هذه النعم قوله - تعالى - * ( وأَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ ) * . والأزواج : جمع زوجة وهي المرأة يختص بها الرجل . أي ولهم في تلك الجنات أزواج مطهرة غاية التطهير من كل دنس وقذر حسى ومعنوي ، فقد وصف - سبحانه - هؤلاء الأزواج بصفة واحدة جامعة لكل ما يتمناه الرجل في المرأة . ورابع هذه النعم قوله - تعالى - * ( ورِضْوانٌ مِنَ اللَّه ) * وهذه النعمة هي أعظم النعم وأجلها أي لهم رضا عظيم من خالق الخلق ، ومبدع الكون ، ومنشئ الوجود . وهو مصدر كالرضا ، ولكن يزيد عليه أنه الرضا العظيم ، لأن زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى ، ولأن التنكير قصد به التفخيم والتعظيم . وقوله * ( مِنَ اللَّه ) * صفة لرضوان مؤكدة لما أفاده التنكير من الفخامة . روى الشيخان عن أبي سعيد الخدري أن رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم قال : « إن اللَّه - عز وجل - يقول لأهل الجنة يوم القيامة : يا أهل الجنة فيقولون : لبيك ربنا وسعديك ، فيقول : هل رضيتم ؟ فيقولون : وما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك ؟ فيقول : أنا أعطيكم أفضل من ذلك ؟ قالوا : يا ربنا وأي شيء أفضل من ذلك ؟ فيقول : أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدا » « 2 » . هذه هي اللذائذ والمتع والنعم التي أعدها اللَّه - تعالى - لعباده المتقين . ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله : * ( واللَّه بَصِيرٌ بِالْعِبادِ ) * أي أنه - سبحانه - عليم بأحوال عباده ، لا تخفى عليه خافية من شؤونهم . وسيجازى الذين أساؤا بما عملوا ، ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى . ففي هذا التذييل وعد للمتقين ووعيد للمسيئين . ثم حكى - سبحانه - أقوال هؤلاء المتقين ومدحهم على إيمانهم وصلاحهم فقال - تعالى - * ( الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا إِنَّنا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وقِنا عَذابَ النَّارِ ) * أي أن هذه الجنات وغيرها من أنواع النعم قد أعدها اللَّه - تعالى - لهؤلاء المتقين الذين يضرعون إلى اللَّه ملتمسين منه المغفرة

--> ( 1 ) تفسير ابن جرير ج 3 ص 206 طبعة مصطفى الحلبي الطبعة الثانية سنة 1373 ه 1954 م ( 2 ) أخرجه البخاري في كتاب الرقاق . باب صفة الجنة والنار ج 9 ص 148 .